الأحد، 24 فبراير 2019

الكاتبة إيمان أبو العينين

ركن الأطفال
حكاية الثلاث أرانب
في غابةٍ مورقة الأشجار، السلطة للقوة والغلبة والإقتدار, ليس بها للضعفاء أنصار ، وعندما أوشك أن ينقضي النهار سقطت قطرة ماء على العصفور لتبشر بالأمطار ، فترك الشجرة من فوره وطار ، يبحث عن مكان يحميه من بلل الجناحين والمنقار ، وأثناء طيرانه وجد ثلاثة من الأرانب يجرون بسرعة البرق ويلهثون ، واحتموا بكهف يختبؤن ، فدخل خلفهم وحلق فوقهم وهم مرتعبون، ألقى عليهم التحية لكنهم من شدة مابهم مرتبكون، وبوجوده لم يشعرون ، فجلس في فجوة بداخل الكهف يستريح، يسمع صوت هطول المطر و صفير الريح ، والأرانب مازالت ترتعد في ركن الكهف والمكان فسيح.
فقال أحدهم : إلى متى نحتمل هذا الوضع القبيح ، تطاردنا الذئاب فتفترسنا أونطلق ساقنا للريح ، أليس لديكم لهذا الوضع حل واضح صريح ، ألم يأن الأوان لنهدأ ونستريح .
فقال له الثاني : أن أظل أرنبا سأبقى خائفا أعيش في ارتياب ، و إن لم أكن ذئبا أكلتني الذئاب .
وقال الثالث : لكل مشكلة حل ، ينبغي أن يكون لديكم أمل.
وزاد صوت المطر حتى شعر العصفور بالبرد والخطر، ورفرف بجناحيه فلفت الأنظار إليه، فحيا الحضور لما سلموا عليه ، وقال لهم : في المطر ساعة إجابة فاطلبوا من القدير ما يعينكم على شر هذه الغابة ، السعد بيد الله فاطلبوا أسبابه .
فقال الأول للثاني : إبدأ يا أخي أطلب من ربك العون والإجابة ، فقال له : أريد أن تكون لي مهابه ، أكون سيدا في هذه الغابة ، لا أريد أن أظل أرنبا بل ذئبا كاملا بمخالبه وأنيابه .                                       
شهق العصفو من هول ماسمع من كلام , وقبل أن ينطق أو يبدأ بالملام حدث ما لم يحسبه ويعجز عن وصفه بالكلام , تحول الأرنب الذي دعا والواقف في الأمام , لذئب كامل مبهور بجمال الفراء والأقدام , مخالبه وأسنانه أحد من الحسام , وقال لصاحبه: أنظر أعطاني الله ما أردته بالتمام.
فتشجع صاحبه وبدأ الكلام , وقال: ياربي لا أريد أن أكون ذئبا فافترس الضعفاء , ولا أكون ضعيفا فأعيش في خوف وعناء , أريد أن أكون فيلا أعيش الدنيا بعزة وإباء , أحب الحياة و أسعد بالزرع والهواء .
فلما سمع العصفور قوله خاف واستاء, وتعجب ممايحدث هذا المساء, وجال بعينيه في الأرجاء , فإذا بالأرنب قد تحول لفيل صغير جميل , فرح يحرك أذناه وخرطومه الطويل .
فقال العصفور : ياله من ليل , تهبط علينا المعجزات كالسيل .                                            
وتقدم الأرنب الثالث وبدأ دعاؤه قائلا : أحمدك يا كريم يا متعال , أن خلقتني على هذا النحو وبهذا الحال , فأنا لا أجد سعدي في التحول والإنتقال , أو  أكون من الذئاب أو الجمال , أريد أن أبقى كما أنا أرنب , وزد عقلي فهما وكمال , واجعلني لكل مشاكلي حلال .               
فتبسم العصفور من هذه الدعوة الجميلة , والتي طلب فيها الأرنب أن يكون واسع الحيلة , ليحل مشاكله الصعبة المستحيلة .                  
ولم تدم سعادتهم فتبدلت ضحكاتهم التي كانت تملأ الأسماع ؛ فالذي تحول لذئب في التو جاع , وما استطاع أن يحتمل قرقرة بطنه والأوجاع , ولهذا السبب الخوف في الكهف شاع , لما كشر الذئب عن أنيابه وسلك سلوك السباع الجياع , واتجه لصاحبه الأرنب الذي فوجئ بهجمته , وماكان يحسب أن ينسى الذئب زمن وده وصحبته فلم ينقذه إلا قفزته في الوقت المناسب فأنقذته , فحال بينهما الفيل بضخامته وطلب من الذئب أن يترك الأرنب صديقه الذي امتلأ قلبه بمحبته , وينصرف عنهم بعد فعلته , فغضب الذئب من الفيل وقال له كلمته :
( بعد أن أصبحت من الذئاب لم يعد لي أصحاب ) .
وانطلق من الكهف قاصداً الباب بعد أن هدأ المطر وانقشع السحاب.                        
وانطلق كل منهم  في طريقه يعيش حياته , والعصفور يراقبهم ويدون ملاحظاته , ويسأل عن أحوالهم ليعرف ما فاته , وهاهي أخباره ومعلوماته , قد دونها في وريقاته :
فالذي أصبح ذئبا كان معجبا بقدراته , تشكو الأرانب من كثرة سطواته , ولم تكن المخاطر في حساباته , فوقع في يد كلب مزق فرائه بأنيابه وركلاته , حتى أنتهت حياته , فارتاحت الأرانب من شر هجماته .                                       
أما الذي تحول إلى فيل ما كان يعرف شيئا عن حياة الأفيال , ولا تعلم مثلهم وسط الأدغال , لا أم تهديه ولا ينصحه خال , فلم يعش في جماعة منهم تعلمه كيفية السلوك والأقوال , وكيف يتخلص من مشاكله في الحال, ولأنه لم يستطع أن يسلك سلوكهم  فلم يقبلوه بينهم , ولما تسلق على ظهره فأر احتار في الأمر وارتاب , وصار يجرى ويتمرغ في التراب , ولم يخلصه إلا فيل ضخم مهاب , وحذره من شر الفئران وخطرهم على الأفيال , فلو دخل الفأر أذن الفيل قتله في الحال.
فعاش فيلنا الصغير وحده , فأصحابه الأرانب يخشى أن يدهسم برجله , والفيلة لا سلوكه مثلهم ولا يتصرفون مثله , والفئران تهدد بموته وفناء أجله , فندم على طلبه وقوله .                                             
أما الأرنب الذكي فعاد لبيته يقرأ ليدرس مشاكله , وهموم القرية التي على كاهله , فعقد اتفاقاً مع الكلاب , أن يتوحدوا ويصبحوا من   الأحباب , فيتخلص من شر الذئاب , ويتفرغ لبناء القرية بالبيوت والقباب , ويتسلح بالعلم طالبا للأسباب                                                              
ففرح العصفور بالأرنب وعقله , ولما هم يمدح صنيعه , صحا من نومه , وتعجب من حلمه وتلفت ليتبين مكانه في الكهف والأرانب تجلس تحت وكره .  

إيمان أبو العينين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق