حاجب المحكمة
امتلأت قاعة المحكمة بأعدادغفيرة.. ارتصت بجوار بعضها البعض وعيونهم تراقب ثلاثة مقاعد يتوسطهم القاضى.. ازدحم قفص الإتهام.. كل منهم يشد أزر الآخر.. أصوات تنادى بين الجالسين داخل قاعة المحكمة، وأخرى تتضرع إلى الله بالدعاء، وعيون شاردة تحلق صوب القفص الحديدى حيث امتلأ عن آخره.. هرع أفراد الأمن وفى يد كل منهم هراوة يبعدون الناس عن قفص الاتهام.. ابتعد الجميع إلا امرأة ظلت قابعة بجوار القفص، ويدها تقبض بيد أحد المتهمين واليد الأخرى تلتف بإحدى قضبان القفص الحديدى.. حضر حاجب المحكمة يحمل بين يديه ورقة يقبض عليها بقوة.. وقعت عيناه على المرأة فتشأم وهمس إلى نفسه:
ــ هذه المرأة تبدو لى كليل طويل.. لست أدرى من أين آتى بملامحها تخفى وجهها بشال أسود مثل ملابسها ؟
تشبثت بالأرض, ويديها تقبض بقوة على القضبان الممتدة بطول القفص الحديدى.. لا أحد يعرف كيف يخلعها من مكانها.. حضرالقاضى وتوسط مستشاريه.. نظر إلى الجالسين وإلى قفص الاتهام بعض أفراد الأمن يحاولون مع المرأة دون جدوى.. أشار بيديه انصرفوا وتركوها قابعة مكانها.. دائما تخاطب ابنها:
ــ خلى بالك من كلامك يا إبراهيم.. أبوك عاش بطلاً ومات بطلاً بعد ما دوخ الإنجليز, ولما قبضوا عليه.. ضربوه بالنار.. ساعتها لملم أحشاءه وراح يخلع خيامهم من الأرض.
وقف داخل القفص طويل القامة عريض المنكبين, واسع العينين.. نظر القاضى وجده كمارد. قبل أن يخلع قضبان القفص الحديدى.. صرخ فى الجالسين:
ــ إبراهيم محمد أبو الروس.. براءة.
صفق الجميع, وخلت القاعة من الجالسين, وكذلك المقاعد الثلاثة إلا حاجب المحكمة قابعاً مكانه ينظر ويتأمل وجه المرأة وهى تخلع الحجاب.
مجدى متولى إبراهيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق