قصة قصيرة بقلم خيرة الساكت من تونس
~ خيمة ~
اليوم يوزعون الخيام .. فرحتي لا توصف.. أصحاب القبعات الزرقاء و القلوب السوداء و العقول الحمراء و كل المتلونين بألوان الطيف..
جل من يشاهدوننا و لا يأسون لحالنا تحركوا و بادروا بإهدائنا خيمة و لا فرق إذا كانت عائلتك كثيرة العدد أو قليلة ..
بعد صراع مرير مع أنفسنا مع العدو و مع الأصدقاء سنحصل على هدية قيمة.
كنا قد استحالت علينا الحياة في ضيعتنا فلا الماء ماء و لا الأرض أرض.هواؤنا لا يحمل سوى رائحة العفن و الغبار و سماؤنا تتزين بالصواريخ و القنابل عوض النجوم . التفجيرات في كل مكان و لا ندري إن كانت من جانب عدو أو صديق أو حليف ..الموت هو الحقيقة الوحيدة الثابتة أمام أعيننا.
فقد كل شيء معناه و اضطررنا للرحيل بحثا عن معنى لوجودنا و حياتنا ..
كلما لجأنا لضيعة أو مدينة إلا و حملنا معنا آلامنا و سرنا مع شركاء جدد في المحنة..
ركبنا الشاحنات و العربات. قطعنا الأودية. و بتنا في العراء في عدة مناسبات .
أسرت عمتي لدى محاولتها الخدمة في بعض البيوت للحصول على المال و لا ندري ما حل بها .. و تزوجت خالتي برجل اعتاد الزواج كل فترة فلم تحظ سوى بالدموع و مزيد من الظلم و الاضطهاد ..
طردها من المنزل ما أن طالبته بتوثيق عقد زواجها في المحكمة ..انضمت إلى مجموعة من المقاتلين لا ندري إذا كانوا أصدقاء أو أعداء و لكنهم حتما من أبناء وطننا الجريح الذين غلف العقوق عقولهم ..
ظل جميعنا السبيل فلا المتصارعون يعرفون الخير من الشر و لا المسالمون توصلوا إلى حل لما يحدث..
و لم يكن أمامنا سوى الهروب المستمر اخترناه دربا لضياعنا و تيهنا .. وطننا وطن التائهين تنهش أمعاءه ديدان سامة تهاجم نفسها بنفسها تنتحر ثم تعود مجددا للنهش فلاهي تشبع نهمها و لا هو يشفى من هذا المرض العضال..
بعد مسيرة طويلة مررنا فيها بنصف أرض الوطن بأماكن لم يسبق لي مشاهدتها إلا كاسم على الخريطة في المدرسة. بلغنا منطقة حدودية جرداء تنتشر فيها الحصى و الأتربة و البيوت المهجورة.. بيوت سوداء محروقة التهمت النيران فيها كل رمز للحياة..
امتدت الأسلاك الشائكة كسطر طويل لا نهاية له يمنعنا من العبور إلى الضفة الأخرى ضفة الجار الكريم الذي رفض استقبالنا..
بسط المعلم الخريطة فوق الطاولة. تحلقنا حوله نتأمل تلك الألوان الزاهية بمرح..
شرح لنا نشاط كل جهة.. أشار إلى منطقة ذات لون أخضر فاتح " هنا تقع مدينة نعمة.. تأتينا من هناك كل الخيرات ..ميدعاتكم تحاك في مصانع نعمة.. "
أمسكت بالأسلاك الشائكة أشدها صارخة " إنها نعمة! إنها نعمة!
أين أنت يا معلمي لترى كيف تحولت نعمة الخضراء إلى آثار سوداء ؟ "
أبعد أبي يدي النازفة عن الأسلاك بصمت..
ظل الجميع مكومين على التراب ..أنياب الجوع بارزة أمامنا تنتظر سقوطنا الواحد تلو الآخر..
قضينا الليلة متمسكين بأذناب الأسلاك الشائكة لعلها ترأف بحالنا و تفسح لنا الطريق نحو الخلاص من آتون الموت و الضياع ..
افترشنا الأرض و بعض الكراتين الفارغة و التي كانت تحتوي علب مواد غذائية وزعتها منظمة اغاثة انسانية..
مرت الليالي و الأيام ..الأسلاك الشائكة قائمة لا يهزها شيء و الجار يصم أذنيه عن تأوهاتنا و آلامنا ..
عادت منظمة الاغاثة من جديد تحمل هذه المرة خياما..
قال أبي " في الانتظار سنتسلم خيمة تقينا الغبار و الأتربة .. و من يدري ربما يمن الله علينا و نعبر الحدود عند ذلك لن نستعملها طويلا.."
تجمعنا حول قافلة المساعدات منهكين بوجوه شاحبة و أجسام واهنة مثل الأشباح..
علبتان من الفاصوليا البنية و كيس به قماش ملفوف و كثير من الكلام بلغات مختلفة ..
نظرات اللامبالاة مشوبة ببعض الشفقة يليها انسحاب من المكان بكل هدوء..
فتح أبي كيس الخيمة لينصبها فوق التراب
اسم الجار الكريم مكتوب بخط جميل.. لله دره ما أكرمه من جار.. إذا الخيام هدية منه..
هدية جميلة أتقن أبي شدها و إقامتها...
مع حلول المساء هبت رياح قوية مزقت قماش الهدية البالي..
تنهد أبي و قد امتزج سواد وجهه بسواد خراب نعمة..
" حتى أنت يا خيمة تنكرت لنا !... "
############# تمت ############
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق