رواية – جحيم امرأة
الفصل الثالث
ومر اليومين وجاءت عبير من البلد ، وقامت بالاتصال بسارة تخبرها بوصولها ، ثم طلبت من سارة أن تذهب إلى النادي عصراً لتلتقي بهم هناك هي وصديقتها هاجر وإيمان حتى تتعرف سارة عليهما ، وتأخذ حقيبتها التي تركتها معها وقامت بإحضارها ، ذهبت سارة إلى النادي فوجدت عبير في انتظارها ، أخذتها وذهبت إلى المكان الذي تجلس فيه هاجر وإيمان وقامت عبير بتقديم سارة لهما بوصفها صديقة جديدة ، وجلسوا الجميع يتسامرون ، وبعد برهة من الوقت قامت عبير بفتح حقيبة وأخرجت منها ثياب لسارة من أجل النزول إلى حمام السباحة معهم ، كانت سارة في بادئ الأمر تخجل أن ترتدي الثياب وكانت خائفة من النزول لحمام السباحة ، ولكن عبير وهاجر وإيمان قاموا بالضغط عليها فوافقت وذهب الجميع إلى الحمام المجاور لحمام السباحة وقاموا بتغير ثيابهم ، ونزلت سارة معهم حمام السباحة وكانت خائفة ولكن الخوف تسرب رويداً ، رويداً ، ومكثوا في حمام السباحة زُهاءَ ساعتين كانت سارة سعيدة إنها في حمام السباحة للمرة الأولى في حياتها ، وبعد قضاء وقت ممتع خرج الجميع وقاموا بتغير ثيابهم ثم قاموا بالسير في أرجاء النادي ، وعندما حل عليهم التعب جلسوا يستريحون ويتسامرون لقد امتطوا عبر الزمان حكايات مروا عليها زُهاءَ ساعة ، حتى جاءت الساعة السابعة فانصرف الجميع ، كانت عبير تخطط لرحلة عائلية للعين الساخنة حتى تنسلخ من النفس همومها وتلقي بنفسها بعيداً وتنعم في حضن الطبيعة بسحرها وجمالها وقضاء يوماً جميلاً ، فأخبرت سارة وطلبت منها أن تخبر خالها وزوجته كما أخبرت هاجر وإيمان ، وكانت تنتظر الرد بالموافقة من الجميع ، أبلغت سارة خالها أحمد وزوجته فاتن فوافق خالها أحمد ، اتصلت سارة بعبير تخبرها بموافقة خالها أحمد وإنه سيأتي معهم هو وزوجته وابنته أية ، فأخبرتها عبير بأن هاجر ستأتي هي ووالدها وأمها أما إيمان ستأتي هي وأخوها الصغير ، كان أحمد سعيد بهذه الرحلة لأنها ستحقق له فرصة الالتقاء بمحمود والد عبير إنه سيقضي معه يوماً كاملاً ، وقام والد عبير بحجز حافلة الرحلات على أن تكون الرحلة يوم الجمعة القادمة ، وبدأ الجميع الاستعداد للرحلة ، وجاء يوم الجمعة وانطلقوا جميعاً إلى العين الساخنة وعند الوصول اختاروا مكان على شاطئ البحر واستأجروا شماسي وقاموا بنصبها ، وبدأ الجميع بالاستمتاع بجو البحر الجميل كانت الأطفال تتجول من حولهم وكذلك الباعة الجائلين ، وبعد العصر بقليل نزلت سارة وعبير وهاجر وإيمان للسباحة في مياه البحر ونزل معهم أحمد ومحمود ، ومكثوا في البحر زُهاءَ ساعتين ونصف ، وبعد الخروج جلست سارة وأصدقائها تحت الشمسية ، فمر عليهم بائع أدوات الصيد فتذكرت سارة صالح وجلوسه من أجل الصيد على شاطئ الترعة ، فاشترت سارة ماكينة صيد صغيرة وذهبت هي وأصدقائها للصيد ، ووضعت سارة الطعم في ماكينة الصيد وألقتها في الماء ، ولم تمر سوى خمس دقائق حتى غمزت ، لقد اصطادت سمكة صغيرة ففرحت سارة وذهبت نحو خالها ليشاهد ما قامت بصيده ، فضحك الجميع وطلبوا منها أن تأتي لهم بوجبة من الأسماك ، ثم رجعت سارة إلى أصدقائها وجلست مكانها وقامت بإلقاء ماكينة الصيد مرة أخرى ، وقامت بالانتظار ، في تلك اللحظة كانت الشمس تغرب من خلف البحر كان المنظر جميل ومبهر ، وبعد غروبها بدأ الليل يسدل ستائره ، نظرت سارة إلى أصدقائها وفي عينها وميض خفي كأنها تريد أن تستخرج من صدرها معاني وأحاسيس انتابتها من منظر الغروب ، وبعد برهة من الوقت فاجأتهم أية بالمجيء إليهم فعلموا إنه حان وقت الرحيل والرجوع إلى منازلهم ، عندما همت سارة بالوقوف وجدت أحدى قدميها عاصية عليها فنزعتها بقوة فظهر لها وجه هانم على الماء لثواني ، فصرخت فظن الجميع أن شيء قام بقرصها ، فقالت سارة : لقد وضعت قدمي على صدفه صغيرة فشعرت بالألم ، ثم قامت سارة وتبعها أصدقائها بالذهاب إلى مكان الشماسي فوجدوهم قد قاموا بخلعها وجمعوا أشيائهم استعداداً للرجوع ، كان سائق حافلة الرحلات ينتظرهم خارج الشاطئ ، فذهبوا إليه جميعاً عائدين إلى منازلهم ، وبعد وصول سارة إلى المنزل ذكرت لخالها ما كان يدور بخلدها من أشياء تتراءى لها محطمة طوق من الأغلال يطوق عنقها جعلها تدور في حلقة مفرغة ليس لها بداية ولا نهاية ، وبعد مرور أسبوع بدأت سارة وعبير بالاستعداد لدخول الكلية ، ذهبت سارة وعبير لشراء ملابس جديدة كانت سارة تثق في ذوق عبير ومرت الأيام وبدأ العام الدراسي ، لقد تعرفت سارة على أصدقاء جدد وكانت سارة تتجول مع عبير داخل الجامعة بين المحاضرات وكان كل منهما تقص للأخرى أخر المستجدات التي مرت بحياتها ، لقد دخل الشتاء وبدأت سارة في ارتداء الثياب الثقيلة ، كان يوماً قارص البرودة شديد الرياح والسماء ملبدة بالغيوم ، نظرت سارة نحو عبير وقامت بسؤالها عن هاجر ، فأجابت قائلة : هاجر لم تأتى اليوم ثم أردفت قائلة : سنذهب إلى المدرج هرباً من هذا الصقيع وسوف أقص عليكِ ما حدث لهاجر ، ثم قامت بسرد ما حدث لهاجر ، فأصابت سارة الكآبة والخوف من المجهول الذي ينتظر الإنسان دون أن يدري إلى أي مكان سوف يذهب ، وبعد انتهاء اليوم الدراسي رجعت سارة من الكلية ، وبعد وصولها بادرت سارة محدثه فاتن قائلة : أعصابي لم تعد تتحمل ما ذكرته عبير عن هاجر ، فقد أصبحت أعصابي خاوية ودخلت حجرتها واستلقت على فراشها ، في جو تحيطه الكآبة ، وكان الجو قارص البرودة فقامت فاتن بصب الشاي من الإبريق وبعد لحظات دخلت عليها حاملة أقداح الشاي الساخن ، وأخذت تبادل سارة الحديث والنكات في محاولة يائسة لإخراجها من جو الكآبة الذي يلازمها ، ثم فطنت أن راحتها تكمن في استخراج ما يلم بنفسها ويجعلها متوترة الأعصاب ، فأخذت بطرف الحديث مستفسرة عما قالته عبير عن صديقتها هاجر ، نظرت سارة إلى فاتن قائلة : لقد تعرضت هاجر لعملية اختطاف ، لولا عناية الله ، لقد لعبت الأقدار والصدف دوراً في نجاتها ، ثم قامت سارة بسرد ما حدث لهاجر قائلة : عند عودة هاجر من الكلية وفي الطريق استوقفتها سيدة وطلبت منها أن تقرأ لها العنوان المسطر على أقصوصة من الورق ، وما أن أخذت هاجر الورقة وحملتها تجاه وجهها لم تدري بنفسها ، فأدخلتها سيارة ملاكي واتجهت في تجاه الطريق الصحراوي للخروج خارج القاهرة ، إلى إحدى المحافظات في وجه بحري ، وقبل الوصول للطريق الصحراوي بقليل استوقفت السيارة أشارة المرور ، وهنا تدخل القدر لنجاتها ، كان زميل والدها في العمل يقود السيارة الملاصقة لها ، فنظر نحوها وعرفها ، فنادي عليها فلم ترد ، فلاحظ إنها ليس في وعيها ، فقام بالاتصال بوالدها عبر الهاتف المحمول وأخبره بأن ابنته هاجر في سيارة ويبدو عليها عدم الوعي وفي طريقها للطريق الصحراوي وذكر له مواصفات ثيابها حتى يتأكد إنها ليست فتاة تشبهها ، وعندما تأكد من تطابق مواصفات الثياب أيقن إنها هي ، فقام بفتح باب السيارة وخرج فوجد هاجر ملقاة على الأرض ، في تلك اللحظة فتحت الإشارة وانطلقت السيارة التي كانت تحملها سريعاً ، فقام بأخذ نمرتها ثم قام بحمل هاجر إلى سيارته ثم قام بالسير بالسيارة إلى جانب الطريق واتصل بوالد هاجر يخبره بأن هاجر معه وحدد له المكان ، وبعد زُهاءَ ساعة ونصف وصل والد هاجر وحملها معه إلى المنزل ، نظرت فاتن إلى سارة وهى يشوبها الخوف والقلق محذرةً إياها من أي إنسان يقترب منها وأن لا تذهب مع أحد من زملائها إلى أي مكان سواء تعرفه أم لم تعرفه ، ثم تركت سارة من أجل أن تأخذ قسط وافر من النوم ، ومرت الأيام ، كانت سارة تتوجس خيفة من أي إنسان يقترب منها لقد ظلت عملية اختطاف هاجر عالقة بذهنها ، ومع مرور الوقت انخرطت سارة في دروسها ، كانت سارة وعبير يتمتعا بالمهارة في تحصيل العلم كانت نتائجهم مشرفة ومرت سنين الدراسة وتخرجت سارة وعبير بتقدير جيد جداً ، قام محمود ولد عبير بأخذهما للعمل في مكتب محامي كبير أسمه عاطف كان الأستاذ عاطف من أشهر المحامين وكان محمود يعرفه ، بدأت سارة وعبير حياتهم العملية في مكتب الأستاذ عاطف ، لم يكن بمكتب الأستاذ عاطف محامي صغير سوى أيمن أما السابقون فقد استقلوا بفتح كل منهم مكتب خاص بعد أخذهم فترة تدريب وجاء الدور على سارة وعبير ومعهم أيمن ، كان الأستاذ عاطف يكلف سارة وعبير بكتابة المذكرات وكذلك العقود وكان يقوم بمتابعتهم ، وكان يقوم بنفسه بالترافع أمام المحكمة في القضية الكبيرة وأيمن في القضايا الصغيرة ، كان أيمن معجب بسارة وكانت عبير تلحظ ذلك ، كانت سارة تخجل عندما تتحدث عبير معها في هذا الأمر، ومرت ثلاث شهور أخذت سارة خلالهم خبرة تأهلها بالوقوف أمام القضاء وجاءت محطتها الأولى في عالم المرافعة ، كانت سارة مشغولة بقضية ستقوم هي بالمرافعة فيها ، إنها أول مرة ستقف أمام القاضي ، كانت تحضر لها جيداً وكانت تشكل الحيز الأكبر من تفكيرها ، ذهبت سارة إلى المكتب فوجدت عبير وحدها فقامت بالسؤال عن أيمن فأخبرتها عبير بأنه سوف يتأخر في المجيء لظروف لديه ، وبعد زُهاءَ ساعتين جاء أيمن ، نظرت إليه سارة قائلة : أريد أن نتناقش أنا وأنت وعبير في القضية التي سأترافع فيها غداً ، وبدأ الجميع النقاش ، وبعد انتهاء العمل قامت سارة بالانصراف ، كانت مفاجئة تنتظرها في المنزل ، وبعد وصلها ، قامت فاتن واستقبلتها بوجه مبتسم ثم قامت بعناقها وقبلتها قائلة لها : ألف مبروك لقد جاء عريس يطلب يدك ، اندهشت سارة ثم دخلت حجرتها وقامت بالاتصال بعبير لتخبرها عما سمعته من فاتن ، فسألتها عبير عن رأيها فقالت : لا أعلم ولكني كنت أشعر أن أيمن يريدني ولكنه لم يتكلم ثم أردفت قائلة : أنا في حيرة من أمري ، فقالت لها عبير متى سيأتي هذا العريس ؟ فقالت : بعد يومين ، فقالت عبير : حسنناً استقبلي العريس ربما يكون إنسان مناسب وغداً عندما تأتي إلى المكتب اذكري أمام أيمن أن عريس سوف يتقدم ليطلب يدك بعد يومين فإذا كان جاد بالارتباط بكِ سيتحرك ويفك عقدة لسانه وإذا كان غير ذلك فسوف يبارك ، وفي تلك اللحظ تستطيعي أن تبدي رأيكِ في العريس أن كان مناسب من عدمه فإذا كان مناسب سيكون عندنا أجمل عروسة وألف مبروك مقدماً وضحكت عبير ، ذهبت سارة إلى خالها أحمد وأبدت استعدادها لمقابلة العريس ، وفي الصباح ذهب سارة إلى قاعة المحكمة وقامت بالمرافعة أمام محكمة الجنايات لأول مرة في جنحة تعدي ، وفي المساء ذهبت إلى المكتب وقامت بإبلاغ الأستاذ عاطف بما قامت بفعله وأخبرته بأنها قد وفقت في مرافعتها فبارك لها الأستاذ عاطف متمنياً لها التوفيق والتقدم في عملها ، ثم ذهبت إلى حجرة المحامين كان بانتظارها عبير وأيمن وفور وصولها قامت عبير بتقبيلها ناظرة إلى أيمن قائلة : بارك لسارة لقد جاء لها عريس في تلك اللحظة انتفض جسدها شوقاً لمردود فعله من صدمت القول
بقلم / جمال إبراهيم
الخميس، 23 مايو 2019
الأديب جمال إبراهيم
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق