الاثنين، 23 يوليو 2018

الشاعر عبدالله عبده

.................. (ليس كل ما يلمع ذهبا)................
                             قصة قصيرة (عبدالله عبده)
     في بداية دراستي الجامعية قادتني خطاي من كلية الآداب إلى كلية دار العلوم،دخلت إحدي المحاضرات صدفة ، كانت لعلامة النحو العربي آنذاك:د.أحمد كشك،كتب بيتا من الشعر للحارث بن وعلة الجرمي:
"قومي هم قتلوا أميم أخي*فإذا رميت يصيبني سهمي"
     أسطورة كان أستاذي في شرح مادة"النحو"،تعرض لعشرات الدروس من خلال هذا البيت،انتقل إليها بخفة ورشاقة وبلاغة؛أزاح عن النحو جموده،دبت الحياة في أوراقه الجافة،وأشجاره الميتة،حوله إلى واحة وارفة الظلال،تملأ عينيك جمالا ، وتفوح عبيرا وشذى يسكرك.
    لمملمت أوراقي من "الآداب"وانتقلت إلى دار العلوم ، اشتركت في الأسرة التي يشرف عليها أستاذي، دعاني لحضور برنامج تلفزيوني بعنوان (6÷6)بمسرح الجيب ، أطلت المذيعة الشهيرة علينا إطلالة البدر في الليلة الظلماء ، بقد ممشوق، وعود كغصن البان، ووجه ولا أجمل..يا الله ، ماكنت تتخيل أيها الريفي أن تكون وجها لوجه مع الفتنة والرقة والعذوبة والجمال..
     اكتشفت أن كل شي بالبرنامج كان مفبركا مكذوبا،الأسئلة والأجوبة معروفة مسبقا،اختيار من سيجيب عليها معروف مسبقا،يتم سحب القرعة ، وكل الأوراق مكتوب عليها أسماء بعينها،نحن أمة تحيا في أكذوبة ، يطربنا أن نكذب على أنفسنا ، نهرب من مواجهة الواقع ، لا نواجه ما هو كائن ، بل نحيا أكذوبة ما ينبغي أن يكون.
     ثم جاءت فترة الظلال ، ظل يتحدث عن نفسه وأعماله من خلف ستارة،والمطلوب أن نتعرف على صاحبه ، استبد
الحماس بالطلاب  ، تسابقوا على الإجابة ،حدث هرج ومرج وصفير من البعض ، حاولت المذيعة الجميلة تهدئة الطلاب
مرة ...مرتين...وجاءت ثالثة الدواهي...تغير الوجه إلى وجه ساحرة شريرة ،وتحول اللسان الأنيق المهذب إلى لسان يقذف حمما بركانية تحرق كل ما حولها ، ويطفح بكلمات لها رائحة الصرف الصحي،شديدة الابتذال والسوقية،نقلت إلينا قاع المدينة في دقائق معدودات...وأستاذي صامت يأبى أن يصدق ما يراه أو يسمعه،ثم التفت نحوي - وكنت بجواره -قائلا:
--- من خرج من داره   قل مقداره.
       وهب واقفا،ومضى،ونحن نتبعه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق